عبد الملك الجويني
26
نهاية المطلب في دراية المذهب
ولا يتعرض لعرضٍ ، ولا يشبب بامرأة معيّنة ، فإن [ في ] ( 1 ) ذلك هتكاً للستر . ولا يتطرق إلى العلم بالشعر ومنشئه ومنشده بعد التحرز مما ذكرناه إلا ترك المهمات من الأمور ، فإن استوعب الأوقات بها ، وترك ما يُهِمه ، فقد يكون ذلك بمثابة خرق حجاب المروءة ، وإن لم يكن مُضرباً عن مهماته ، فلا ترد شهادته . فتنخّل من مجموع ما ذكرناه خلافُ الأصحاب في جوهر الشعر وأنه كذب إن اشتمل على ما ينتهي إلى الكذب ، أم هو صناعة ؟ فإن جعلناه بمثابة الكذب ، فيجب أن نفصل بين ما يحكيه ( 2 ) وبين ما ينشئه ، [ فلا ] ( 3 ) يُسْقِطُ الثقةَ بصدق لهجته . والكذب الذي يجري إذا قلّ وندر ، لم يوجب ردَّ الشهادة ، وإذا [ كثر ] ( 4 ) أشعر باعتياد الكذب ، فإذ ذاك يتضمن ردَّ الشهادة . هذا قولنا في الكذب المقصود ، فما الظن بما ليس مقصوداً كذباً ، فيجب أن يُفْصَل بين القليل منه والكثير ( 5 ) . وإن جرينا على أنه ليس من الكذب ، فإذا لم يكن فيه إيذاء فيبعد تحريمه ، وقد يتطرق إليه ما ذكرناه [ من ] ( 6 ) تَرك المهمات . وإن اكتسب الشاعر بشعره ، التحق ذلك بما يخرم المروءة ، وقد انتجز القول فيه . 12138 - وبقي بعده الغناء : فما يحرُم قوله ، يحرُم سماعه ، وما لا فلا . وإدمان الغناء قولاً وسَمْعاً يخرم مروءة الدين ، ويُلحق الرجل بالهازلين . والرَّقْص ليس محرَم العين ، وإنما هو حركات على استقامة أو اعوجاج ، ولكن كثيره يَخْرِم المروءة ، كسائر أصناف اللّعب إذا كان على اختيار .
--> ( 1 ) زيادة من المحقق ليصحّ نصبُ " هتكاً " . ( 2 ) بين ما يحكيه : أي من الشعر ، أي ترديده لشعر غيره ، أي يكون منشداً لا منشئاً ، فالحكم لا شك يختلف فيهما ، فلا تسقط العدالة بالإنشاد . ( 3 ) في الأصل : " ولا " . ( 4 ) في الأصل : " كثرت " . ( 5 ) خلاصة المسألة : أنا إن اعتبرنا الشعر الذي ينتهي إلى الكذب كذباً - وليس صناعة - فيجب أن نفرق أولاً بين منشئه ومنشده ، ثم نفرق ثانياً في منشئه بين القليل والكثير . ( 6 ) في الأصل : " ممن " .